محمد الضيف on Nostr: نشاهد في الآيات الكريمة التي يدعو بها الأنبياء ...
نشاهد في الآيات الكريمة التي يدعو بها الأنبياء ربهم فوائد جليلة، غير أن أمرين منها يفتحان للقلب بابًا واسعًا من المعرفة والأدب والبر.
الأول: عظمة ثناء الأنبياء على الله، وسعة معرفتهم به، وحسن أدبهم في دعائه.
فإبراهيم عليه السلام لا يعرّف بربه تعريفًا ذهنيًا مجردًا، وإنما يذكره من خلال آثار ربوبيته التي تحيط بحياة الإنسان كلها: ﴿الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين﴾. لقد جمع في كلمات قليلة أصل الوجود، وهداية الطريق، وقوام البدن، وشفاء المرض، والموت والبعث؛ فكأن حياته كلها، منذ أول الخلق إلى يوم القيامة، واقعة تحت رعاية الله وتدبيره.
ثم قال: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. ولم يقل: الذي يغفر لي، مع أن مغفرة الله واسعة، لكنه عبّر بالطمع؛ تأدبًا مع الله، وافتقارًا إليه، وكسرا للنفس، وخوفًا من التقصير. وهذا من فقه الأنبياء في الدعاء؛ فإنهم لا يتكئون على أعمالهم، ولا يرون لأنفسهم حقًا على الله، بل يجمعون بين حسن الظن به، والخوف منه، والرجاء في رحمته.
وهذا الثناء في حقيقته دعاء مستتر في ثوب المعرفة. فحين يذكر إبراهيم أن ربه يطعمه ويسقيه ويشفيه ويحييه، فهو يعلن افتقاره الكامل إليه. وحين يذكر المغفرة يوم الدين، فهو يطلبها بألطف عبارة وأحسن أدب. وهكذا يكون دعاء العارفين: يبدأ بمعرفة الله والثناء عليه، ثم تخرج الحاجة من بين معاني الثناء من غير تكلف.
الثاني: حضور الذرية والآباء في دعاء إبراهيم عليه السلام، حتى كأنه جزء من دعائه لنفسه.
قال إبراهيم: ﴿رب هب لي حكمًا وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الضالين، ولا تخزني يوم يبعثون﴾. فقد بدأ بالدعاء لنفسه، ثم أدخل أباه في قلب دعائه، ثم عاد إلى سؤال النجاة لنفسه يوم القيامة.
وهذا الترتيب يحمل معنى رقيقًا من معاني البر؛ فإن الوالد لا يغيب عن قلب الابن الصالح، حتى وهو يسأل أعظم مطالب الآخرة. لم ينسه إبراهيم وهو يسأل الحكمة، والصلاح، والذكر الحسن، والجنة، والنجاة من الخزي. وكأن ألم ضلال أبيه كان حاضرًا في قلبه، فلم يستطع أن يذكر نجاته دون أن يتمنى النجاة له.
وكان هذا الدعاء قبل أن يتبين لإبراهيم إصرار أبيه على عداوة الله؛ فلما ظهر له ذلك تبرأ منه امتثالًا لأمر الله. وفي هذا اجتماع أمرين عظيمين: غاية البر والشفقة على الوالد، وغاية التسليم لحكم الله حين يتبين الحق. فالبر لا يعني مخالفة أمر الله، كما أن الثبات على العقيدة لا يعني قسوة القلب أو انعدام الرحمة.
إن الأنبياء يعلموننا أن الدعاء للوالدين ليس عبارة عابرة في آخر الدعاء، بل هو حضور دائم في القلب. وأن الابن الصالح يرى صلاح والديه ونجاتهما من تمام نعمته هو، فيدعوهما إلى الخير، ويصبر عليهما، ويرفق بهما، ويحمل همهما بين يدي الله.
وفي ختام الدعاء يكشف إبراهيم حقيقة يوم القيامة: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم﴾. فليست النجاة بكثرة ما يملك الإنسان، ولا بمن يحيط به من أهل وولد، وإنما بقلب سلم من الشرك، وسلم من الاعتراض على الله، وسلم من الحقد والكبر والرياء. ومن سلامة القلب أن يعرف ربه، ويحسن الثناء عليه، وأن يحمل الرحمة والبر لمن كان سببًا في وجوده، دون أن يقدم أحدًا على أمر الله.
Published at
2026-07-28 21:36:11 UTCEvent JSON
{
"id": "24539640dd80d35c4bc802ff83679440df6fd8906400957b2ff31b2b6f925385",
"pubkey": "ebd9efd561c6ec25ab0ff09949e58edfd8e6d723a910140381e9b3eb0571fb00",
"created_at": 1785274571,
"kind": 1,
"tags": [
[
"proxy",
"https://bassam.social/posts/1632f8e4-ac98-4811-99ff-84f13baac993",
"activitypub"
],
[
"client",
"Mostr",
"31990:6be38f8c63df7dbf84db7ec4a6e6fbbd8d19dca3b980efad18585c46f04b26f9:mostr",
"wss://relay.ditto.pub"
]
],
"content": "نشاهد في الآيات الكريمة التي يدعو بها الأنبياء ربهم فوائد جليلة، غير أن أمرين منها يفتحان للقلب بابًا واسعًا من المعرفة والأدب والبر.\n\nالأول: عظمة ثناء الأنبياء على الله، وسعة معرفتهم به، وحسن أدبهم في دعائه.\n\nفإبراهيم عليه السلام لا يعرّف بربه تعريفًا ذهنيًا مجردًا، وإنما يذكره من خلال آثار ربوبيته التي تحيط بحياة الإنسان كلها: ﴿الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين﴾. لقد جمع في كلمات قليلة أصل الوجود، وهداية الطريق، وقوام البدن، وشفاء المرض، والموت والبعث؛ فكأن حياته كلها، منذ أول الخلق إلى يوم القيامة، واقعة تحت رعاية الله وتدبيره.\n\nثم قال: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. ولم يقل: الذي يغفر لي، مع أن مغفرة الله واسعة، لكنه عبّر بالطمع؛ تأدبًا مع الله، وافتقارًا إليه، وكسرا للنفس، وخوفًا من التقصير. وهذا من فقه الأنبياء في الدعاء؛ فإنهم لا يتكئون على أعمالهم، ولا يرون لأنفسهم حقًا على الله، بل يجمعون بين حسن الظن به، والخوف منه، والرجاء في رحمته.\n\nوهذا الثناء في حقيقته دعاء مستتر في ثوب المعرفة. فحين يذكر إبراهيم أن ربه يطعمه ويسقيه ويشفيه ويحييه، فهو يعلن افتقاره الكامل إليه. وحين يذكر المغفرة يوم الدين، فهو يطلبها بألطف عبارة وأحسن أدب. وهكذا يكون دعاء العارفين: يبدأ بمعرفة الله والثناء عليه، ثم تخرج الحاجة من بين معاني الثناء من غير تكلف.\n\nالثاني: حضور الذرية والآباء في دعاء إبراهيم عليه السلام، حتى كأنه جزء من دعائه لنفسه.\n\nقال إبراهيم: ﴿رب هب لي حكمًا وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الضالين، ولا تخزني يوم يبعثون﴾. فقد بدأ بالدعاء لنفسه، ثم أدخل أباه في قلب دعائه، ثم عاد إلى سؤال النجاة لنفسه يوم القيامة.\n\nوهذا الترتيب يحمل معنى رقيقًا من معاني البر؛ فإن الوالد لا يغيب عن قلب الابن الصالح، حتى وهو يسأل أعظم مطالب الآخرة. لم ينسه إبراهيم وهو يسأل الحكمة، والصلاح، والذكر الحسن، والجنة، والنجاة من الخزي. وكأن ألم ضلال أبيه كان حاضرًا في قلبه، فلم يستطع أن يذكر نجاته دون أن يتمنى النجاة له.\n\nوكان هذا الدعاء قبل أن يتبين لإبراهيم إصرار أبيه على عداوة الله؛ فلما ظهر له ذلك تبرأ منه امتثالًا لأمر الله. وفي هذا اجتماع أمرين عظيمين: غاية البر والشفقة على الوالد، وغاية التسليم لحكم الله حين يتبين الحق. فالبر لا يعني مخالفة أمر الله، كما أن الثبات على العقيدة لا يعني قسوة القلب أو انعدام الرحمة.\n\nإن الأنبياء يعلموننا أن الدعاء للوالدين ليس عبارة عابرة في آخر الدعاء، بل هو حضور دائم في القلب. وأن الابن الصالح يرى صلاح والديه ونجاتهما من تمام نعمته هو، فيدعوهما إلى الخير، ويصبر عليهما، ويرفق بهما، ويحمل همهما بين يدي الله.\n\nوفي ختام الدعاء يكشف إبراهيم حقيقة يوم القيامة: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم﴾. فليست النجاة بكثرة ما يملك الإنسان، ولا بمن يحيط به من أهل وولد، وإنما بقلب سلم من الشرك، وسلم من الاعتراض على الله، وسلم من الحقد والكبر والرياء. ومن سلامة القلب أن يعرف ربه، ويحسن الثناء عليه، وأن يحمل الرحمة والبر لمن كان سببًا في وجوده، دون أن يقدم أحدًا على أمر الله.",
"sig": "49574574d964d6438c907ff53ee8f83232dfa75c37be8954b888cc11fda4894f6ff34ca3e1235177847a8c7b3ae8283f734ef3747db95da5c68f7d63c6ba6b99"
}