Join Nostr
2026-07-29 20:36:14 UTC

محمد الضيف on Nostr: الصورة التاسعة والثلاثون: باب الحديد… هيبةُ ...

الصورة التاسعة والثلاثون:

باب الحديد… هيبةُ البساطة وعزّةُ الصامتين
ليست كلُّ العظمة في الزخارف، ولا كلُّ الجمال فيما يلفت الأبصار، فثمّة أبوابٌ يفرضها الوقار قبل أن يفرضها الفن، ويأسرها الصمت قبل أن تأسرها النقوش، ومن هذه الأبواب بابُ الحديد؛ بابٌ متواضع في هيئته، شامخٌ في حضوره، كأنه يعلّم الداخل إلى الأقصى أن الطريق إلى أعظم البقاع لا يحتاج إلى بهرجة، وإنما إلى قلبٍ يعرف قدر المكان الذي يقصده.

يقع باب الحديد في الواجهة الغربية للمسجد الأقصى، بين باب الناظر وباب القطانين، ويُصعد إليه بدرجاتٍ من خارج المسجد، فيتهيأ الداخل رويدًا رويدًا للانتقال من صخب الأسواق إلى سكينة الحرم، ومدخله مستطيل، يعلوه عقدٌ منسجم مع عقود الرواق الغربي، وفوقه واجهة مملوكية تتوسطها نافذة معقودة بعقدٍ مدبب تزينه خطوطٌ متعرجة، فتمنح هذا الباب البسيط لمسةً فنية رصينة، تُجمل البناء دون أن تثقل عليه.

ولم يُعرف على وجه اليقين سبب تسميته باب الحديد، وهي التسمية التي بقيت ملازمةً له عبر القرون، كما عُرف أيضًا باسم باب أرغون، نسبةً إلى الأمير المملوكي أرغون الذي جدده في منتصف القرن الثامن الهجري (755-758هـ/1354-1357م)، ولا يزال ضريحه قائمًا في المدرسة الأرغونية خارج الباب، فكأن اسمه بقي منقوشًا في المكان كما بقي أثره في عمارته.

وهكذا يقف باب الحديد شاهدًا على حقيقةٍ تتكرر في الأقصى كله: أن الجمال ليس دائمًا فيما يفيض زخرفًا، بل قد يكون في حَجرٍ صامتٍ حمَل أقدام المصلين قرونًا، وفي بابٍ لم يشتهر بفخامته، وإنما بشرف ما يفضي إليه؛ فما إن تعبره حتى تدرك أن قيمته ليست فيما تراه العين، بل فيما يوصلك إليه القلب؛ إلى المسجد الذي ما زالت أبوابه، على اختلاف هيئاتها، تفتح طريقًا واحدًا... طريق القرب من الله.
#وصفي_أبوزيد

#وصف_القدس_39