Join Nostr
2026-07-26 17:39:39 UTC

محمد الضيف on Nostr: من أعظم ما يلفت النظر في الشريعة أن الله سبحانه ...

من أعظم ما يلفت النظر في الشريعة أن الله سبحانه جعل لكل عبادة حدًّا معلومًا؛ فالصلاة خمس، والزكاة لها نصاب، والصيام شهر، والحج مرة في العمر لمن استطاع. أما الذكر، فلم يجعل الله له حدًّا ينتهي إليه، بل فتح بابه ما دامت الروح في الجسد، فقال: ﴿اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾، ولم يقل: ذكرًا معدودًا أو محدودًا.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما فرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله." ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم﴾؛ أي في جميع الأحوال، وفي كل زمان ومكان، في السفر والحضر، وفي الصحة والمرض، وفي الغنى والفقر، وفي السر والعلانية.
وهذا يكشف أن الذكر ليس عملًا يؤديه المسلم في وقت معين ثم ينصرف عنه، بل هو الحالة التي ينبغي أن يعيشها قلب المؤمن. فاللسان يلهج بالذكر، والقلب يستحضر الله، والجوارح تتحرك على وفق أمره، حتى يصبح ذكر الله هو الإطار الذي تنتظم فيه حياة المسلم كلها.
ولذلك اختلف العلماء في معنى الذكر الكثير، ولم يختلفوا في أصله. فقال ابن عباس: يتحقق بالمحافظة على الأذكار في أدبار الصلوات، وعند الصباح والمساء، وعند النوم والاستيقاظ، والخروج والدخول. وقال مجاهد: هو أن يذكر العبد ربه قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا. وقال عطاء: بإقامة الصلوات بحقوقها. وبيّن ابن الصلاح أن من أوضح صوره المحافظة على الأذكار النبوية الواردة في مختلف الأوقات والأحوال؛ لأن السنة لم تترك شأنًا من شؤون حياة المسلم إلا وربطته بذكر الله.
وهذا يدل على أن الكثرة ليست كثرة الألفاظ، وإنما كثرة الصلة بالله. فقد يردد الإنسان كلمات كثيرة وقلبه غافل، وقد يكون قليل الكلام، لكنه لا يغيب عن استحضار ربه في أمر ولا نهي، فيكون من الذاكرين كثيرًا.
ثم تأتي البشارة التي لا يكاد القلب يحيط بعظمها: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾. فإذا أكثر العبد من ذكر ربه، ذكره الله برحمته، وأثنى عليه في الملأ الأعلى، ودعت له الملائكة بالمغفرة والهداية. فأي منزلة أعظم من أن يكون ذكرك لله سببًا لذكر الله لك؟
إن الذكر الكثير روح للحياة نفسها. وكلما ازداد العبد ذكرًا، ازداد قلبه حياة، ولسانه طهرًا، وعمله بركة، حتى يصبح من الذين وصفهم الله بقوله: ﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا﴾.