Join Nostr
2026-07-30 05:43:48 UTC

محمد الضيف on Nostr: ربِّ إنَّ غزَّةَ مغلوبةٌ فانتصر كتب الدكتور ...

ربِّ إنَّ غزَّةَ مغلوبةٌ فانتصر
كتب الدكتور عارف أبو عيد
﴿رَبِّ إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾.
ليست هذه آيةً تُتلى فحسب، وإنما هي صرخةُ قلبٍ حين تنقطع الأسباب، ونداءُ مؤمنٍ حين لا يبقى بينه وبين النصر إلا باب السماء. إنها كلمة نبيٍّ أيقن أن الأرض قد ضاقت، وأن البشر قد خذلوا، وأن القوة قد استعلت، فلم يجد إلا ربه، فكانت السماء أسرع إليه من كل أهل الأرض.
واليوم... تعود الصرخة من غزة.
تعود لا من فم رجلٍ واحد، بل من ملايين الآهات التي تتصاعد من تحت الأنقاض، ومن دموع الأطفال، وأنين الجرحى، وحشرجة المحتضرين، ومن أمعاء الجائعين التي أرهقها الحصار، ومن قلوب الأمهات التي ودعت أبناءها واحدًا بعد آخر، ومن آباءٍ يقفون على قبور أبنائهم لا يملكون إلا أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
يا رب...
لقد تكالبت على غزة قوى الأرض، وأمطرتها آلة الحرب نارًا وحديدًا، وهدمت البيوت على ساكنيها، واستهدفت المستشفيات، ودور العبادة، ومراكز الإيواء، وضاقت سبل الحياة حتى غدا الحصول على لقمة الخبز أو جرعة الماء أمنيةً يلهج بها الصغار قبل الكبار.
ولم يكن البلاء في آلة الحرب وحدها، بل في صمتٍ ثقيلٍ خيم على أجزاء واسعة من العالم، وفي مواقفٍ لم ترقَ إلى حجم المأساة، بينما بقي أهل غزة يواجهون محنتهم بصبرٍ عجيب، كأنهم يكتبون بدمائهم صفحةً جديدة من صفحات الثبات.
يا رب...
لقد أوصدت أبواب الأرض في وجوههم، وخذلتهم موازين السياسة، وحسابات المصالح، وضجيج البيانات، ولم يبق لهم بعد الأخذ بالأسباب إلا بابك، وأنت الذي لا يُغلق بابه، ولا يرد سائله، ولا يخيب من وقف على عتبتك مستغيثًا.
إلهنا...
أنت الذي أهلكت فرعون وهو يملك الأرض وجنده، وأغرقت قوم نوح حين استكبروا، ودمرت عادًا وثمود لما بغوا، وقصمت ظهور الطغاة عبر التاريخ. فما كان سلطانهم إلا سحابةً انقشعت، وما كانت قوتهم إلا سرابًا تبدد أمام قدرتك.
فما أضعف الإنسان حين يتجبر، وما أعجزه حين ينسى أن فوقه ربًا لا تأخذه سنة ولا نوم.
يا رب...
إن الطغيان إذا طال ظن أهله أنه خالد، وإن الظالم إذا أمن العقوبة حسب أن العدالة قد ماتت، ولكن سنة الله لا تتبدل، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، وإنما يؤخرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار، ويأتي فيه الحق لا يستأذن أحدًا.
غزة اليوم ليست مدينةً محاصرة فحسب، بل هي مرآةٌ يرى فيها العالم حقيقة نفسه؛ فمن الناس من نصر بكلمة، ومنهم من أعان بإغاثة، ومنهم من دعا بصدق، ومنهم من وقف عاجزًا يتألم، ومنهم من اختار الصمت. والله وحده يتولى السرائر، ويحاسب العباد بعدله.
أما أهل غزة... فقد كتبوا بدمائهم أن الإيمان ليس شعارًا، وإنما صبرٌ عند البلاء، وثباتٌ عند المحنة، ويقينٌ بأن الله لا يضيع أجر الصابرين.
يا رب...
إن الأطفال الذين ناموا جياعًا، والأمهات اللاتي فقدن أبناءهن، والشيوخ الذين أثقلهم الحصار، والمرضى الذين ينتظرون الدواء، كلهم يرفعون إليك أكفًا لم يبق لها إلا أنت.
فإن خذلتهم الأرض، فأنت رب السماء والأرض.
وإن ضاقت بهم الدنيا، فرحمتك أوسع من الدنيا وما فيها.
وإن تكالبت عليهم قوى البشر، فقوتك فوق كل قوة، وسلطانك فوق كل سلطان، وحكمك فوق كل حكم.
اللهم يا جبار السماوات والأرض...
يا قاصم الجبابرة، ويا مذلَّ المتكبرين، ويا ناصر المستضعفين، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترفع عن أهل غزة ما هم فيه من البلاء، وأن تحفظ من بقي منهم، وترحم شهداءهم، وتشفي جرحاهم، وتطعم جائعهم، وتؤوي مشردهم، وتربط على قلوبهم، وأن تجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية.
اللهم أرنا في الظلم نهايةً بعدلك، وفي المظلومين فرجًا برحمتك، واجعل لهذه الأمة من أمرها رشدًا، ووحد كلمتها على الحق، وألهمها نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، والقيام بما تستطيع من خير.
ربِّ... إنَّ غزَّةَ مغلوبةٌ فانتصر.
فأنت نعم المولى، ونعم النصير.