Join Nostr
2026-07-27 10:03:08 UTC

محمد الضيف on Nostr: من جملة التأملات المرتبطة بأذكار الصلاة قول ...

من جملة التأملات المرتبطة بأذكار الصلاة قول الإنسان: (تباركت يا ذا الجلال والإكرام)
لأن العبد إذا سلَّم من صلاته، وأثنى على ربه بقوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام، ثم ختم هذا الثناء بقوله: تباركت يا ذا الجلال والإكرام. فإن ذلك يتضمن مزيدًا من الإقرار والاعتراف بكمال الله وعظمته وكمال فضله.
ومعنى الدعاء متشعب، كأنك تقول: تعاظم يا رب خيرك، وكثرت بركاتك، ودام إحسانك، واتسعت عطاياك. والبركة كلها منه سبحانه، فأنت الذي يبارك في الأعمار، والأرزاق، والأعمال، والأماكن، والأزمنة، ولا يملك أحد أن يفيض البركة إلا أنت.
وهذا لعمري من أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله؛ فأن تأتي وتلتمس البركة، فذلك استحضار لقول الله في كتابه الذي وصفه بالقول: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾.
أما الجلال، فهو كمال العظمة والكبرياء والعزة والمجد، وله التعظيم المطلق لجلاله وهيبته. فإذا استحضر المؤمن هذا الاسم، امتلأ قلبه توقيرًا لله، وخشيةً منه، واستصغر نفسه بين يدي مولاه. ولهذا كان من أعظم ثمرات معرفة جلال الله أن يراقبه العبد في السر كما يراقبه في العلن، وأن يستحي أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.
ومن ثم كان من المتناسق أن يأتي ذكر الجلال عقب الصلاة؛ لأن الصلاة أعظم مظاهر تعظيم العبد لربه. ففيها قيام بين يديه، وركوع لعظمته، وسجود لكبريائه، ومناجاة له. فإذا فرغ منها، جدد الاعتراف بأن الله هو صاحب الجلال الحقيقي، وأن ما أداه من عبادة لا يليق بجلال ربه إلا أن يتقبله بفضله.
وأما الإكرام، فقد ذكر أهل العلم فيه معنيين صحيحين، يجتمعان ولا يتعارضان.
الأول: أن الله هو ذو الإكرام؛ أي صاحب الفضل العظيم، والإنعام الواسع، والجود الذي لا ينفد، فهو الذي يكرم أولياءه في الدنيا بالتوفيق والهداية، وفي الآخرة برضوانه والنظر إلى وجهه الكريم.
والثاني: أنه سبحانه المستحق لأن يُكرم؛ أي أن يُعظَّم، ويُطاع، ويُعبد، ويُجل، فلا يُعصى أمره، ولا تُنتهك حرماته. وهذا المعنى ذكره جماعة من أهل العلم، وهو داخل في دلالة الاسم؛ لأن من كان ذا جلال، كان أهلًا لكل تعظيم وإكرام.
ولهذا اقترن الجلال بـ الإكرام؛ لأن العبودية الكاملة تقوم على أمرين عظيمين: تعظيم الله، وحسن الظن بفضله. فمن نظر إلى جلاله وحده ربما غلب عليه الخوف، ومن نظر إلى كرمه وحده ربما أمن مكر الله، أما إذا جمع بين جلاله وإكرامه، عبد الله بقلب يمتلئ هيبةً ومحبةً، وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وأنسًا.
ومن هنا يظهر سر اقتران هذا الاسم باسم السلام في هذا الذكر. فالعبد يفرغ من صلاة يعلم أنها لا تخلو من نقص وغفلة، فيثني أولًا على ربه بأنه السلام؛ الكامل المنزه عن كل نقص، ومنه السلامة كلها، ثم يثني عليه بأنه ذو الجلال والإكرام؛ صاحب العظمة التي تستوجب الإجلال، وصاحب الكرم الذي يُرجى معه قبول العمل والعفو عن التقصير.
فكأن المصلي يقول بلسان حاله: يا رب، أنت الكامل الذي لا نقص فيك، وأنا العبد الذي لا يخلو عملي من نقص، وأنت صاحب الجلال الذي أستحي أن ألقاك بعمل لا يليق بعظمتك، وأنت صاحب الإكرام الذي أطمع في فضله، وأرجو أن تتقبل مني، وتتجاوز عن تقصيري.
وهكذا يعلمنا هذا الذكر أن نخاطب الله بأسمائه الحسنى، وأن نجمع في عبادتنا بين إجلاله ورجاء كرمه، وأن ندرك أن قبول الأعمال ليس بكمالها، وإنما بفضل الله وإكرامه. ولذلك كانت هذه الكلمات القليلة مدرسةً في معرفة الله، وتربيةً للقلب على أكمل معاني التوحيد والعبودية.